قال المستشار القانوني الدكتور محمد بن صقر الزعابي وكيل النيابة الإماراتي السابق، إن قضية "الإمارات 84" تمثل محاولة إعطاء غطاء قانوني للقمع، مؤكداً أن ما يجري "لا علاقة له بالقانون"، بل يندرج ضمن سياسة تهدف إلى شرعنة الاحتجاز المفتوح وقمع أي صوت معارض داخل الإمارات.
وفي مقابلة مع مركز "مناصرة معتقلي الإمارات"، أكد الزعابي أن "قضية الإمارات 84 "قضية سياسية بامتياز، ولا علاقة لها بالقانون"، موضحاً أن المتهمين "حوكموا على الفعل نفسه في القضية السابقة عام 2013، ونفذوا الأحكام الجائرة الصادرة بحقهم، بل وفوق ذلك قضوا مدة سنتين في السجن بعد انتهاء أحكامهم".
وأضاف أن إعادة تقديم المعتقلين للمحاكمة بعد أكثر من عقد "تكشف أن القضية ليست بحثاً عن العدالة، بل محاولة لإعطاء غطاء قانوني للانتهاكات التي يمارسها النظام بحق معتقلي الرأي"، معتبراً أن هذه المحاكمات أصبحت "أداة قمع لكل من يفكر في إبداء رأي أو انتقاد ممارسات السلطة".
التفاف قانوني
وحول استخدام تهم جديدة بحق معتقلي الرأي بعد انتهاء محكومياتهم، قال الزعابي إن ما يحدث يمثل "التفافاً قانونياً واضحاً لإدامة الاعتقال"، مضيفاً: "أصبح القانون والجهات القانونية القائمة عليه لعبة بيد النظام".
ووصف هذه الممارسات بأنها "شكل قبيح من توظيف القانون لقمع الناس"، مؤكداً أن الهدف منها "إظهار النظام بشكل أخلاقي أمام الرأي العام والمنظمات الحقوقية والأممية، بعد أن تضررت سمعة الإمارات بسبب الانتهاكات والقمع الداخلي والخارجي الذي تمارسه".
وأشار إلى أن إعادة المحاكمات بعد انتهاء الأحكام الأصلية تفرغ مفهوم العدالة من معناه، وتحوّل القضاء إلى أداة لإضفاء الشرعية الشكلية على قرارات سياسية وأمنية معدة مسبقاً.
"نُعامل كالرهائن"
وفي ما يتعلق باستمرار احتجاز معتقلين حتى بعد انتهاء أحكامهم القضائية، شدد الزعابي على أنه "لا يوجد أي أساس قانوني واضح لذلك"، مضيفاً أن الهدف الحقيقي هو "إبقاء العصا مرفوعة فوق رأس كل من يفكر بالمطالبة بالحقوق أو الدفاع عن الحريات".
واستشهد الزعابي برسالة مسربة سابقة من سجن الرزين، قال فيها أحد المعتقلين: "نحن نُعامل كالرهائن لدى خاطف"، معتبراً أن هذه العبارة "تعكس حقيقة ما يتعرض له المعتقلون، بل ربما أقل من الواقع".
وتواصل السلطات الإماراتية احتجاز عدد من السجناء داخل ما يُعرف بـ"مراكز المناصحة" بعد انتهاء محكومياتهم، وهو إجراء أدى عملياً إلى إبقاء معتقلين قيد الاحتجاز لسنوات إضافية دون سقف زمني واضح.
مراكز المناصحة والاعتقال الإداري
وعن التوصيف القانوني لما يُعرف بـ"مراكز المناصحة"، قال الزعابي إنها "شكل ابتدعه النظام الإماراتي للاستفادة من تجربة الاعتقال الإداري"، مضيفاً أن هذه المراكز تُستخدم لإبقاء أشخاص لا ترغب السلطات بالإفراج عنهم داخل السجون "لفترات مفتوحة قد تمتد لسنوات دون تهم جديدة أو محاكمات حقيقية".
وأوضح أن هذه السياسة تعرضت لانتقادات حقوقية واسعة ومطالبات متكررة بإلغائها، إلا أن السلطات الإماراتية "لم تعد تلتفت إلى هذه المطالبات، وتواصل ممارسة الانتهاكات دون اكتراث".
ويرى مراقبون أن "مراكز المناصحة" تحولت عملياً إلى آلية للالتفاف على انتهاء الأحكام القضائية، بما يسمح بإبقاء المعارضين والناشطين قيد الاحتجاز حتى بعد استكمال مدد محكومياتهم، بحسب مركز "المناصرة".
"حرية التعبير خط أحمر"
وحول دلالة إصدار أحكام تصل إلى السجن المؤبد بحق ناشطين وأكاديميين ارتبطت قضاياهم بحرية التعبير والإصلاح السياسي، قال الزعابي إن "حرية التعبير والمطالبات السياسية أصبحت خطاً أحمر لدى النظام الإماراتي".
وأضاف: "النظام لا يتساهل مع من يريد ممارسة هذه الحقوق، وسمعة الإمارات باتت مرتبطة داخلياً وخارجياً بكونها من الدول القمعية التي تصادر حرية الرأي بأقسى الطرق، وتعاقب كل من يمارس هذا الحق بالسجن لسنوات طويلة".
ويبرز من بين المعتقلين الذين ما يزالون خلف القضبان شخصيات معروفة مثل الدكتور سلطان بن كايد القاسمي، والناشط الحقوقي أحمد منصور، والأكاديمي الدكتور ناصر بن غيث، إلى جانب عشرات الأكاديميين والمحامين والناشطين الذين ارتبطت أسماؤهم بملفات تتعلق بحرية التعبير أو الدعوة إلى الإصلاح السياسي.
معاقبة عائلات المعتقلين
وحذر الزعابي من أن إعادة تدوير القضايا ضد النشطاء "مستمرة ولا تتوقف"، مشيراً إلى أن التعتيم الأمني وغياب المعلومات يجعل من الصعب معرفة الحجم الكامل للانتهاكات.
وأوضح أن الانتهاكات لا تقتصر على المعتقلين أنفسهم، بل تمتد إلى أسرهم أيضاً، قائلاً إن عائلات المعتقلين تتعرض لإجراءات عقابية تشمل "سحب الجنسيات، والمنع من السفر، والحرمان من الوظيفة والعلاج والدراسة، وعدم تجديد الوثائق الرسمية مثل الجوازات وبطاقات الهوية".
وأضاف أن كثيراً من الأسر تُجبر على مراجعة الأجهزة الأمنية للحصول على موافقات تتعلق بأبسط المعاملات الحكومية، في ظل معاناة مستمرة "لا تتوقف حتى مع بقاء المعتقل داخل السجن".
كما أشار إلى أن بعض المقيمين الذين يتعرضون لانتهاكات داخل الإمارات "يتم ابتزازهم عبر التهديد بمعاقبة أسرهم أو مصادرة أموالهم ومصالحهم إذا تحدثوا علناً عما تعرضوا له".
"الإمارات لم تعد تبالي بالإدانات"
وعن دور المنظمات الحقوقية والآليات الأممية، قال الزعابي إن الإمارات "أصبح جلدها غليظاً ولم تعد تبالي كثيراً بالتقارير الحقوقية أو الإدانات الأممية"، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية استمرار التوثيق والضغط الحقوقي.
وأضاف: "هذا الفضح يبقي الإمارات دائماً تحت ضغط السمعة، وهي السمعة التي أفسدتها بنفسها من خلال حجم الجرائم والانتهاكات التي ترتكبها بحق الشعب الإماراتي وغيرهم".
وختم بالقول إن دور المنظمات الحقوقية "يبقى مهماً في إبقاء السهم موجهاً نحو المجرم حتى تحصل الضحية في النهاية على حقها في العدالة".
ومع مرور أكثر من عقد على حملة الاعتقالات الواسعة التي بدأت عام 2012، لا يزال عشرات المعتقلين يقبعون داخل السجون الإماراتية، فيما تبدو الأحكام الجديدة في قضية "الإمارات 84" مرحلة إضافية من سياسة تهدف إلى إبقاء ملف معتقلي الرأي مفتوحاً دون أفق واضح للإفراج أو الإغلاق النهائي، وسط تصاعد التحذيرات الحقوقية من تحول الاعتقال السياسي في الإمارات إلى واقع دائم وممتد بلا حدود زمنية واضحة.