كشفت دراسة حديثة عن تحول استراتيجي غير مسبوق في بيئة الأعمال بدولة الإمارات، حيث صعد الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة لتحسين الكفاءة والإنتاجية ليصبح شريكاً محورياً يعتمد عليه أصحاب العمل في اتخاذ أكثر القرارات المهنية حساسية ومصيرية.

وأكدت الدراسة التي أجرتها شركة "هاير رايت" العالمية المتخصصة في حلول القوى العاملة بالتعاون مع مؤسسة أبحاث "يوغوف"، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي باتت تدير بشكل مباشر عمليات التوظيف والترقيات الوظيفية، وصولاً إلى رسم سياسات إنهاء الخدمات والاستغناء عن الموظفين، وسط تصاعد لافت في مستويات ثقة أرباب العمل بالخوارزميات الرقمية-حسب الدراسة التي نشرتها منصة "إم آي تي سلون مانجمنت ريفيو الشرق الأوسط".

سلطة الخوارزميات في الترقيات وإنهاء الخدمات

أظهرت بيانات الاستطلاع، التي أطلع عليها "الإمارات 71"، أن دولة الإمارات برزت كأحد أكثر الأسواق العالمية اعتماداً على التكنولوجيا الصاعدة لإدارة مصير القوى العاملة.

 وفي هذا الصدد، أفاد 42% من أصحاب العمل في الإمارات بأنهم استعانوا بتوجيهات وتحليلات الذكاء الاصطناعي لدعم قرارات ترقية الموظفين وتصعيدهم، وهي النسبة الأعلى على الإطلاق بين جميع الأسواق والمناطق العالمية التي شملتها الدراسة الدولية.

وفي المقابل، لم يعد الذكاء الاصطناعي يقف عند حدود التقييم الإيجابي أو الترقية فحسب، بل امتد تأثيره ليشمل القرارات الأكثر صعوبة وحساسية في الهيكل المؤسسي، إذ ساعد الذكاء الاصطناعي 31% من أصحاب العمل في الإمارات بشكل مباشر في اتخاذ قرارات إنهاء خدمات الموظفين وفصلهم من العمل، مما يعكس الاعتماد المتزايد على التحليلات التنبؤية في تقييم الجدوى الاقتصادية والإنتاجية لكل موظف.

مرونة الموارد البشرية وتحدي السير الذاتية الذكية

وبشأن ما يتعلق بكيفية التعامل مع التكنولوجيا في الضفة الأخرى، أظهر التقرير أن مسؤولي الموارد البشرية في الإمارات باتوا يتبنون موقفاً عملياً وبراغماتياً تجاه استخدام المرشحين للوظائف لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل صياغة السير الذاتية وتطبيقات العمل.

وكشفت الأرقام أن 44% من صناع القرار يحملون نظرة إيجابية تجاه استخدام المتقدمين لهذه التقنيات، في حين لا تتجاوز النسبة السلبية 7% فقط، بالتزامن مع امتلاك 67% من قادة الموارد البشرية ثقة كاملة في قدرتهم على تحديد السير الذاتية التي تمت كتابتها بمساعدة الآلة.

وأوضح جيمس راندال، المدير الإقليمي للمبيعات في الشرق الأوسط لدى شركة "هاير رايت"، أن التركيز الحقيقي لدى قادة الموارد البشرية قد انتقل من التساؤل حول ما إذا كان المرشح يستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا، إلى كيفية قيام المؤسسة بتقييم أصالة ومصداقية المتقدم ومدى ملائمته الفعلية للدور الوظيفي، وهو ما يتطلب آليات متطورة لفحص وتدقيق الخلفيات المهنية.

مخاطر أمنية وقفزة قياسية في تزوير الهويات

على الجانب الآخر من هذا المشهد الرقمي المتسارع، رصدت الدراسة تحدياً أمنياً وتنظيمياً بالغ الخطورة يواجه سوق التوظيف الإماراتي، وتمثل في تسجيل البلاد معدلات مرتفعة جداً في احتيال وسرقة الهوية مقارنة بالمتوسط العالمي. وأشار قرابة 63% من قادة الأعمال إلى أنهم اكتشفوا حالات سرقة واحتيال في الهوية بين المرشحين للوظائف أو الموظفين الحاليين خلال عام 2025.

وتوزعت مراحل ضبط هذا الاحتيال بشكل متباين عبر الحلقات الوظيفية، حيث جرى كشف 30% من الحالات خلال مراحل الفرز والمقابلات الأولية، بينما تم رصد 29% من الحالات عبر برامج إعادة الفحص والمراقبة الدورية للموظفين داخل المؤسسة.

وتمثلت الصدمة الأكبر في أن 40% من حالات الاحتيال والتزوير لم تُكتشف إلا بعد أن نجح المخادعون بالفعل في دخول المنشأة والقيام بأنشطة احتيالية أو سرقات فعلية أضرت بالشركات.

ضغوط تشغيلية وتحديات في استقطاب الكفاءات

إلى جانب العقبات المرتبطة بالتكنولوجيا الرقمية، لا يزال سوق العمل الإماراتي يواجه مجموعة من الضغوط التشغيلية التقليدية والمعقدة، حيث أكد 32% من أصحاب العمل أن العثور على مرشحين مؤهلين يمثل تحدياً دائماً، بالتوازي مع شكوى نسبة مماثلة من الحجم الهائل لطلبات التوظيف المتدفقة التي تشكل عبئاً تنظيمياً في التصفية.

كما أشار أكثر من 30% من المشاركين إلى أن تلبية تطلعات المتقدمين للوظائف فيما يتعلق بالرواتب وحزم المزايا أصبحت تزداد صعوبة وتضغط على ميزانيات الشركات.

وتتأثر الاستمرارية التشغيلية أيضاً بهذه الضغوط، حيث واجهت 30% من الشركات زيادة في معدلات دوران العمل بين الموظفين الجدد، وأفادت 28% بارتفاع تكاليف عمليات الاستقطاب، في حين تظل الوظائف الشاغرة لدى 27% من المؤسسات دون إشغال لفترات تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر.

الموازنة بين التطور التقني والحدس البشري لتحقيق النجاح

 وأشار جيمس راندال إلى أنه في سوق تشهد ارتفاعاً مستمراً في تكاليف التوظيف وتفشياً للاحتيال بنسب تتجاوز المعدلات العالمية، بالتزامن مع إعادة تشكيل قرارات القوى العاملة بواسطة الذكاء الاصطناعي، فإن المنظمات والشركات التي ستنجح في المستقبل هي التي تجمع بكفاءة وعمق بين الفحص والتدقيق الصارم من جهة، والتحكيم والحدس البشري السديد والاستخدام الذكي للمنظومات التكنولوجية من جهة أخرى.

وشدد جيمس راندال على أن الحفاظ على جاذبية دولة الإمارات كوجهة عالمية لاستقطاب أفضل المواهب يتطلب من الشركات تحقيق توازن ذكي ودقيق.