كشف تحليل معمق نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية عن ولادة محور إقليمي جديد بارز في منطقة الشرق الأوسط تقوده السعودية، مع تسجيل غياب لافت ودلالي لدولة الإمارات.

ويأتي هذا التكتل الخماسي الوليد، الذي يضم إلى جانب المملكة كلاً من قطر ومصر وتركيا وباكستان، كأحد أبرز الإفرازات الجيوسياسية للحرب الأخيرة في إيران، مبرزاً كإطار عمل جديد يسعى لإعادة صياغة التوازنات السياسية والعسكرية خارج المظلة التقليدية لمجلس التعاون الخليجي.

ووفقاً للتحليل، الذي ترجمه "الإمارات 71"، فإن الحرب في إيران، ورغم ما ألحقته من أضرار بالغة بدول الخليج العربي جراء تراجع الصادرات واهتزاز الشعور بالأمان، قد دفعت بقوى رئيسية في المنطقة إلى الخروج بأكثر عزماً على التعاون المشترك.

 وفي هذا السياق، يتشكل نظام خليجي جديد يمتد تأثيره إلى العالم الإسلامي الأوسع، في حين يقبع تحت السطح انقسام عميق يفسر خروج الإمارات من هذا التحالف؛ حيث تتبنى أبوظبي مسار التطبيع الكامل والتحالف الدفاعي مع الاحتلال الإسرائيلي كسبيل للمضي قدماً، بينما نجحت الرياض في جمع جبهة أكثر انتقاداً لتل أبيب وأكثر حذراً من طموحاتها الهيمنية المخيفة.

وحسب المجلة يتحدد هذا التكتل الجديد – الذي تصفه التقارير الإسرائيلية بـ "التحالف السني" وتسميه أوساط أخرى بـ "حلف شمال الأطلسي الإسلامي الآخذ في التوسع" – عبر هدفين استراتيجيين رئيسيين: احتواء التهديد الإيراني باستعادة النفوذ في الدول العربية التي يهيمن عليها وكلاء طهران وحلفاؤها، لا سيما في سوريا ولبنان. والتصدي لـ"إسرائيل" ولجم مغامراتها العسكرية بوضع حدود واضحة للتمدد الإسرائيلي.

وأفاد مراقبون إقليميون بأن الضربة الإسرائيلية التي استهدفت العاصمة القطرية الدوحة العام الماضي لتعقب قادة حركة حماس، أثارت مخاوف حقيقية لدى دول الخليج من احتمال أن تكون هي الهدف التالي، وهو ما عجل بتقريب المواقف وتجسير الفجوات بين قوى إقليمية متنافسة تاريخياً مثل السعودية وتركيا.

وتشكل الأسلحة النووية الباكستانية ركيزة أساسية تدعم هذا المحور الجديد، حيث تعمل كحائط صد استراتيجي في مواجهة "إسرائيل" بموجب إطار الدفاع السعودي الباكستاني المشترك.

تنافس اقتصادي وسياسي بين أبوظبي والرياض

يشير تحليل "فورين بوليسي" إلى أن إعادة التموضع الإقليمي الراهنة تستند إلى تعمق حالة عدم الثقة بين الرياض وأبوظبي. فبعد سنوات من التطابق الجيوسياسي في مرحلة ما بعد "الربيع العربي" والنظر المشترك لجماعة الإخوان المسلمين كتهديد، تباينت المصالح بشكل حاد نتيجة لعوامل عدة: أولاً التنافس الاقتصادي الشرس مع سعي البلدين للتخلص من التبعية للاقتصاد القائم على النفط، يتنافس السعوديون والإماراتيون بشكل مباشر لجذب الاستثمارات الأجنبية ذاتها.

الثاني: الموقف من "إسرائيل"، إذ تؤمن أبوظبي أن التطبيع والتحالف مع الاحتلال الإسرائيلي هما الخيار الأمثل، وتلقّت بالفعل خلال الحرب معدات دفاعية حيوية من تل أبيب (شملت منظومة القبة الحديدية مع قوات لتشغيلها وفقاً لموقع أكسيوس)، بينما تقود السعودية معسكراً يرى في "إسرائيل" تهديداً يجب احتواؤه بالتوازي مع احتواء إيران.

الثالث، خلافات القيادة والملفات الإقليمية حيث تشهد العلاقة بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، رئيس الدولة، توتراً ملحوظاً بسبب خلافات محتدمة حول ملفي اليمن والسودان، ناهيك عن التساؤلات التي أثارها خروج الإمارات الفعلي من منظمة "أوبك" حول مكانة السعودية كقائد غير رسمي للمجموعة.

ورداً على ذلك، تسعى الرياض لتأكيد دورها القيادي عبر الترتيب لاستضافة قمة إقليمية تجمع الدول العربية وإيران، وسط شكوك حول ما إذا كانت الإمارات ستشارك فيها، نظراً لتوخي أبوظبي الحذر الشديد تجاه أي ضمانات تُقدم من طهران التي استهدفت الإمارات بأكثر من 3000 هجوم صاروخي وبالمسيرات خلال الحرب.

وقالت المجلة إن دولة قطر برزت في هذا التحالف كقوة دبلوماسية رائدة متجاوزة إرث مقاطعة عام 2017. ورغم تعرض منشأة "رأس لفان" الحيوية للغاز لضربة إيرانية خفضت قدرتها التصديرية بنسبة 17%، إلا أن الدوحة قادت جهود وساطة مكثفة في منتصف شهر مايو عقب تعثر المساعي الباكستانية.

وكشف مصدر مطلع للمجلة كواليس المفاوضات السرية التي استمرت لمدة 18 ساعة في منتجع فاخر يطل على بحيرة لوسيرن في سويسرا، والتي جمعت مسؤولين أمريكيين وإيرانيين رفيعي المستوى؛ حيث نجح الوسطاء القطريون في إخماد الأزمات في اللحظات الأخيرة؛ حيث استغلت الدوحة قنواتها المفتوحة مع طهران لدفع حزب الله للموافقة على وقف إطلاق النار، بالتوازي مع حث الأمريكيين على الضغط على "إسرائيل" للتراجع ومنع انهيار المحادثات بسبب التوترات في لبنان.

مكاسب أطراف المحور مقابل خسائر إماراتية

تتطلع الأطراف المنضوية تحت المحور الجديد الذي تقوده السعودية إلى تعظيم مكاسبها الاستراتيجية والاقتصادية من واقع ما بعد الحرب، فالمملكة حققت قفزة اقتصادية مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط؛ حيث ارتفعت أرباح شركة "أرامكو" بنسبة 26% في الربع الأول مع صعود الأسعار لأكثر من 119 دولاراً للبرميل. ووفر خط أنابيب شرق-غرب مساراً آمناً بكامل طاقته الاستيعابية (7 ملايين برميل) مكن الصادرات السعودية من القفز لأعلى مستوى في 3 سنوات رغم استمرار إغلاق مضيق هرمز، مما دفع الرياض لتعزيز بنيتها التحتية على البحر الأحمر رغم تباطؤ نمو ناتجها المحلي الإجمالي إلى 2.8%.

فيما تأمل مصر الاستفادة من المشاريع السعودية المتسارعة وتوسيع البنية التحتية، حيث أضفت الرياض طابعاً رسمياً على خطط بناء جسر يربطها بسيناء، لتحويل الساحل المصري المطل على البحر المتوسط إلى بوابة رئيسية نحو أوروبا.

أما تركيا فتسعى لتعزيز مبيعاتها الضخمة من الأسلحة والمنظومات الدفاعية في ظل استمرار المخاوف الأمنية بالمنطقة. وباكستان نجحت في حصد تغطية إعلامية دولية إيجابية وإعادة تموضع سياسي بعد سنوات من الضغوط الدولية.

وفي المقابل، تظل دولة الإمارات خارج هذا التكتل، متمسكة برؤيتها المستقلة لحماية أمنها؛ حيث ركزت جهودها على خفض اعتمادها على مضيق هرمز إلى الصفر عبر التصدير من ميناء الفجيرة وتوسيع موانئها الشرقية على طول خليج عمان. ويؤكد الخبراء أن هذا التباين الجوهري حول كيفية إدارة الأمن الجماعي في الخليج هو ما سيرسم الملامح المستقبلية للمنطقة، مع بقاء الإمارات في النطاق الخارجي للمحور الجديد برؤية خاصة لكسر الوضع الراهن.