تسعى تركيا لاستغلال أجواء التوتر المرتبطة بالحرب على إيران لمحاولة جذب المستثمرين والشركات الدولية بعيداً عن الإمارات، التي تُعد أحد أبرز المراكز المالية في الخليج، وفق ما أوردته صحيفة "ميدل إيست آي" البريطانية، في تقرير لها اليوم الخميس.
وبحسب الصحيفة، تعمل أنقرة على تقديم نفسها كبديل محتمل في ظل المخاوف من تداعيات التصعيد الإقليمي على بيئة الأعمال في دبي وأبوظبي.
وذكرت أن مسؤولين أتراكاً يعملون على تسويق بلادهم كبديل محتمل للشركات العاملة في الإمارات، مستفيدين من المخاوف المرتبطة باحتمالات استهداف المراكز المالية في الخليج. وتُعد الإمارات حالياً موطناً لعدد كبير من البنوك الدولية، وشركات التكنولوجيا، ومراكز البيانات، وشركات الذكاء الاصطناعي، ما يجعل أي تهديد أمني عاملاً حساساً في قرارات هذه الشركات.
حوافز مغرية
وقالت الصحيفة إن تركيا تحاول استثمار هذه اللحظة عبر تقديم حزمة موسعة من الحوافز، خاصة من خلال مركز إسطنبول المالي، الذي يوفر إعفاءات ضريبية واسعة تشمل خصم كامل للدخل الناتج عن تصدير الخدمات المالية، إضافة إلى إعفاءات على المعاملات المرتبطة بها. كما تقدم أنقرة تسهيلات للموظفين الدوليين عبر تخفيضات كبيرة في ضرائب الدخل على الرواتب، في محاولة لجعل بيئة العمل أكثر جاذبية مقارنة بمراكز إقليمية أخرى.
هذه الحوافز تأتي في وقت تسعى فيه الحكومة التركية لتوسيع نطاق الامتيازات لتشمل الشركات متعددة الجنسيات بشكل أوسع، بما في ذلك السماح بخصومات على أرباح تجارة السلع العابرة. وتُظهر هذه الخطوات رغبة واضحة في منافسة نموذج الإمارات، الذي نجح خلال السنوات الماضية في ترسيخ مكانته كمركز عالمي للأعمال بفضل بيئته الضريبية المرنة وبنيته التحتية المتقدمة.
لكن رغم هذا الحراك، لا تزال الإمارات تحتفظ بعوامل قوة يصعب تجاوزها بسهولة. فمراكزها المالية، مثل مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي، تعمل وفق أطر قانونية مستقلة مستندة إلى القانون الإنجليزي، وتوفر أنظمة قضائية منفصلة تعزز ثقة المستثمرين الدوليين. هذا النموذج القانوني يُعد أحد أهم أسباب استقرار البيئة الاستثمارية في الإمارات، مقارنة بتركيا التي تواجه انتقادات تتعلق بضعف الثقة في نظامها القضائي.
وبحسب الصحيفة؛ يؤكد مستثمرون ومحللون أن هذه النقطة تحديداً تشكل عائقاً رئيسياً أمام أي محاولة تركية لسحب الشركات من الإمارات. فبينما تقدم أنقرة حوافز ضريبية مغرية، تبقى مسألة سيادة القانون والاستقرار المؤسسي عاملاً حاسماً في قرارات الشركات الكبرى، خاصة تلك العاملة في القطاعات المالية والتكنولوجية الحساسة.
تحديات تركية
إلى جانب ذلك، تواجه تركيا تحديات اقتصادية داخلية، مثل ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة، وهي عوامل تزيد من حذر المستثمرين مقارنة بالإمارات التي توفر استقراراً نقدياً وبيئة أعمال أكثر قابلية للتنبؤ. كما أن الإمارات استثمرت بكثافة في البنية التحتية للتكنولوجيا والطاقة، ما يمنحها ميزة إضافية في جذب الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.
ورغم أن بعض التقارير تشير إلى اهتمام محدود من شركات في الخليج وشرق آسيا بدراسة فرص التوسع في تركيا، فإن هذا الاهتمام لا يزال في مراحله الأولية، وغالباً ما يتعلق بالتوسع الجزئي وليس نقل المقرات الرئيسية من الإمارات. ويعكس ذلك إدراكاً بأن الإمارات لا تزال تمثل مركزاً لوجستياً ومالياً يصعب الاستغناء عنه في المدى القريب.
في المقابل، تحاول تركيا الترويج لنقاط قوة مختلفة، مثل سوقها المحلي الكبير الذي يضم أكثر من 80 مليون نسمة، إضافة إلى قدراتها الصناعية التي تُعد من الأقوى في المنطقة. ويرى بعض الخبراء أن هذه الميزات قد تجعلها وجهة مكملة للإمارات، وليس بديلاً مباشراً لها، خاصة في القطاعات الإنتاجية.
كما تركز أنقرة على جذب الشركات العاملة في المناطق الحرة الإماراتية، مثل جبل علي، التي تضم مئات الشركات الدولية، بينها عدد متزايد من الشركات الصينية. وتسعى تركيا إلى استقطاب جزء من هذه الشركات عبر تقديم حوافز مخصصة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقربها من الأسواق الأوروبية.
ومع ذلك، يرى محللون، نقلت عنهم الصحيفة قولهم إن المنافسة بين تركيا والإمارات لا تتعلق فقط بالحوافز المالية، بل بقدرة كل طرف على تقديم منظومة متكاملة من الاستقرار السياسي والاقتصادي والقانوني. وفي هذا السياق، تبدو الإمارات متقدمة بخطوات، بفضل سجلها في جذب الاستثمارات طويلة الأجل وبناء بيئة أعمال موثوقة.
في المحصلة، تعكس التحركات التركية محاولة لاستغلال لحظة إقليمية حساسة لإعادة رسم خريطة الاستثمار في المنطقة، مع تركيز واضح على استهداف الشركات العاملة في الإمارات.
غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهوناً بقدرة أنقرة على معالجة تحدياتها الداخلية، وتقديم بديل متكامل يمكنه منافسة النموذج الإماراتي الذي أثبت قوته خلال السنوات الماضية، وفقاً للصحيفة.