سلّطت صحيفة نيويورك تايمز الضوء على التحولات العميقة التي شهدتها دول الخليج عقب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، معتبرة أن الأشهر الثلاثة الماضية شكّلت نقطة تحول استراتيجية دفعت دول المنطقة إلى إعادة تقييم أولوياتها الأمنية والعسكرية، وأثارت تساؤلات واسعة بشأن مستقبل التحالف مع الولايات المتحدة.

وقالت الصحيفة في تقرير موسع إن دول الخليج، التي اعتادت لعقود متابعة الحروب الدائرة في المنطقة من مسافة آمنة، وجدت نفسها للمرة الأولى في قلب المواجهة، بعدما تحولت القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة على أراضيها إلى أهداف مباشرة للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، الأمر الذي بدد الشعور التقليدي بالأمن وأظهر هشاشة المنظومات الدفاعية أمام التهديدات الجديدة.

وأضاف التقرير أن الحرب لم تقتصر آثارها على الجانب الأمني، بل امتدت إلى الاقتصاد، حيث تعرضت الاقتصادات الخليجية المعتمدة على الطاقة لضغوط كبيرة، فيما دفعت التطورات المتسارعة الحكومات إلى مراجعة خططها الدفاعية وزيادة الإنفاق العسكري، بعد سنوات ركزت خلالها على مشاريع التنمية والتنويع الاقتصادي.

وأشار التقرير إلى أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو كثّف خلال الأسبوع الجاري لقاءاته مع قادة دول الخليج في محاولة لطمأنتهم، مؤكداً أن واشنطن "لن تتخذ أي خطوة من شأنها الإضرار بأمن حلفائها"، في اعتراف ضمني بحجم المخاوف التي خلفتها الحرب داخل العواصم الخليجية.

ونقلت الصحيفة عن المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في قطر، خالد الجابر، قوله إن الحرب "خلّفت جرحاً عميقاً سيستغرق التعافي منه وقتاً طويلاً"، مؤكداً أن المنطقة لم تعد كما كانت قبل اندلاعها.

ولفت التقرير إلى أن مدناً خليجية مثل دبي والدوحة شهدت للمرة الأولى مشاهد ارتبطت سابقاً بمناطق النزاعات، من انفجارات وحرائق وإنذارات صاروخية، ما دفع السكان إلى الاحتماء داخل منازلهم، وأدى إلى إغلاق المدارس لأسابيع ومغادرة عدد من الأجانب، في مشاهد شبّهها البعض بالغزو العراقي للكويت عام 1990.

ورغم نجاح أنظمة الدفاع الخليجية في اعتراض القسم الأكبر من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، أوضحت الصحيفة أن الهجمات أسفرت عن مقتل أكثر من ثلاثين شخصاً وإصابة العشرات، ما عزز الشعور بأن المنطقة دخلت مرحلة أمنية جديدة.

ورأى رئيس مركز "بحوث" في دبي محمد بهارون أن الحرب أرست سوابق خطيرة في الإقليم، معتبراً أن سلوك الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أسهم في تكريس نهج أكثر تساهلاً في استخدام القوة العسكرية، حتى بات خرق اتفاقات وقف إطلاق النار أمراً متكرراً لا يثير الاستغراب.

وأكد التقرير أن الحرب كشفت أيضاً عن تباين واضح في مقاربات دول الخليج تجاه إيران، إذ واصلت الإمارات تعزيز شراكاتها مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، بينما لعبت قطر دور الوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران، في حين سعت السعودية إلى الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع الإدارة الأمريكية وقنوات التواصل مع إيران.

وأشار إلى أن سلطنة عُمان برزت كلاعب دبلوماسي مهم، بعدما دخلت في مباحثات مع إيران بشأن إدارة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما أثار استياء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفقاً للتقرير.

واعتبرت الصحيفة أن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز خلال الحرب شكّل أحد أبرز التحولات الاستراتيجية، إذ أصبح احتمال تكرار هذه الخطوة مستقبلاً مصدر قلق دائم لدول الخليج، ودفعها إلى البحث عن بدائل لنقل النفط والسلع بعيداً عن المضيق.

وفي هذا السياق، أوضح التقرير أن الإمارات تتبنى استراتيجية تقوم على تقليل الاعتماد على مضيق هرمز عبر تطوير موانئها الواقعة خارج المضيق، وإنشاء خطوط أنابيب جديدة وشبكات سكك حديدية، فيما تحولت سلطنة عُمان إلى مركز لوجستي رئيسي تعتمد عليه دول الخليج لنقل البضائع عبر بحر العرب.

ورغم الترحيب الخليجي العلني بالاتفاق الأمريكي-الإيراني الذي أوقف العمليات العسكرية، قالت الصحيفة إن كثيراً من المسؤولين الخليجيين لا يزالون يشعرون بخيبة أمل من أداء واشنطن، معتبرين أن الاتفاق لم يتناول القضايا التي تمثل مصدر قلق مباشر لدول المنطقة، وفي مقدمتها برنامج الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية ودعم طهران للجماعات المسلحة.

وأضاف التقرير أن قرار إدارة ترامب تخفيف بعض العقوبات النفطية على إيران أثار مخاوف من منح الاقتصاد الإيراني متنفساً جديداً، بينما قوبلت باستياء الأحاديث الأمريكية بشأن احتمال مساهمة دول الخليج في صندوق لإعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار.

ونقلت الصحيفة عن الكاتب السعودي عبد الرحمن الراشد قوله إن الاتفاق الأمريكي الإيراني "يعيد تأهيل النظام الإيراني بوصفه قوة إقليمية"، محذراً من أن العوائد الاقتصادية المتوقعة قد تمنح طهران إمكانات أكبر لتعزيز نفوذها.

كما نقلت عن خالد الجابر قوله إن كثيرين في الخليج باتوا يشعرون بأن إدارة ترامب تنظر إلى دول المنطقة "كما لو كانت جهاز صراف آلي"، وهو ما يثير استياءً متزايداً داخل الأوساط السياسية والاقتصادية.

وأوضح التقرير أن زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى الإمارات والكويت والبحرين هدفت إلى احتواء هذه المخاوف، إذ أكد خلال اجتماعاته مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون أن حكوماتهم ستكون "شريكة في كل خطوة" من المفاوضات مع إيران، مشيراً إلى أنه لم يطرح عليهم فكرة تمويل إعادة إعمار إيران، وأن المسؤولين الخليجيين شددوا على أولوية دعم مشاريع إعادة الإعمار والتنمية داخل بلدانهم.

وفي المقابل، أكد وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال لقائه روبيو أن دول المنطقة ترحب بوقف الأعمال العدائية بعد التحديات الكبيرة التي واجهتها، معتبراً أن المرحلة الحالية تمثل "بارقة أمل" لإرساء الاستقرار.

وختمت "نيويورك تايمز" تقريرها بالإشارة إلى أن كثيراً من الباحثين الخليجيين يرون أن الحرب، رغم تداعياتها القاسية، دفعت دول المنطقة إلى إعادة بناء قدراتها الدفاعية وتعزيز جاهزيتها، مع تزايد الدعوات لإطلاق حوار مباشر مع إيران وربما التوصل إلى تفاهمات أمنية جديدة، بما يضمن عدم تكرار سيناريو الحرب مستقبلاً.