لم تكن صواريخ كروز والطائرات المسيّرة الإيرانية التي تساقطت على منطقة الخليج في ربيع 2026 مجرد مقذوفات عسكرية، بل كانت شرارة أعادت رسم الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط بأكمله. في قلب هذا التحول تقف دولة الإمارات، التي وجدت نفسها أمام خيار وجودي: إما التمسك بمظلة التضامن الخليجي، أو القفز نحو تحالف أمني غير مسبوق مع الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة.

ويبدو أن أبوظبي انحازت أكثر نحو الكيان الصهيوني على الرغم من حالة النفور العربي والعالمي من الاحتلال بعد ارتكاب مذابح الإبادة الجماعية في قطاع غزة. ومع دخول الصيف، وبعد أن دخلت الهدنة حيّز التنفيذ، أو كادت أن تضع الحرب أوزارها، يبرز السؤال الأهم في أروقة صنع القرار من واشنطن إلى طهران: ما هي المآلات الاستراتيجية لهذا التقارب الإماراتي-الإسرائيلي العميق؟ وكيف سيعيد تشكيل التوازنات في منطقة لا تعرف الهدوء؟

نهاية سياسة "التحوُّط"

على مدى سنوات، اعتمدت دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات والسعودية، سياسة "التحوط الاستراتيجي". كانت الفكرة تقوم على الحفاظ على علاقات أمنية قوية مع واشنطن، مع بناء جسور اقتصادية وتجارية مع خصومها، وتحديداً الصين وروسيا وإيران. لكن بعد حرب 2026 يعتقد صانع القرار السياسي في أبوظبي بفشل هذه المقاربة.

وأوضحت سينزيا بيانكو الباحثة "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" أن أبوظبي قررت التخلي عن سياسة التحوط لصالح "الاستقلالية الاستراتيجية" المدعومة بتحالفات أمنية صلبة. وتؤكد بيانكو أن "الهجمات الإيرانية أقنعت أبوظبي بأن سياسة الاسترضاء مع طهران قد فشلت. الإماراتيون يعتقدون الآن أن التهديد الإيراني وجودي، وأنه يستهدف جوهر النموذج الإماراتي كمركز عالمي للتجارة والتمويل".

هذا التحول الجذري عبر عنه بوضوح أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، بالقول: "كنا نعتقد أن الروابط التجارية ستخلق شبكة من المصالح المشتركة مع إيران، لكن كل ذلك، في رأيي، قد فشل". وأضاف قرقاش بشفافية نادرة أن النفوذ الإسرائيلي في الخليج سيصبح "أكثر بروزاً، وليس أقل"، مشيراً إلى أن المشهد الإقليمي "لن يعود إلى حالته السابقة، وأن تحولاً بهذا الحجم يتطلب إعادة تقييم عقلانية وواقعية وشاملة للعلاقات الخليجية".

مستشار رئيس الدولة أنور قرقاش يستقبل نائب وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده - نوفمبر 2025

كيف أعادت "إسرائيل" تموضعها في الإمارات؟

بالنسبة لأبوظبي، لم تعد "إسرائيل" مجرد شريك في "اتفاقيات إبراهيم" للتبادل التجاري والتكنولوجي، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في بنية الأمن القومي الإماراتي. لقد أثبتت منظومة "القبة الحديدية" الإسرائيلية – إلى جانب أنظمة الليزر المضادة للمسيّرات – فعاليتها الحاسمة في اعتراض أكثر من 95% من المقذوفات الإيرانية التي استهدفت الإمارات خلال الحرب.

هذا الاعتماد العسكري له مآلات استراتيجية بعيدة المدى؛ فوفقاً لمركز موشيه دايان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب، فإن "إسرائيل" وأبوظبي تشتركان اليوم في رؤية "تدخلية استباقية" (Pre-emptive Activism). ويشير الباحث جوشوا كراسنا إلى أن "كلا البلدين يفضلان التدخل المبكر لتشكيل بيئتهما الاستراتيجية بشكل نشط، بدلاً من مجرد إدارتها أو احتواء التهديدات".

هذه الرؤية المشتركة قد تدفع البلدين لتوسيع تعاونهما خارج حدود الخليج. وتتوقع سينزيا بيانكو من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن يؤدي الدعم الإسرائيلي إلى تشجيع أبوظبي على تبني سياسات أكثر حزماً في مناطق أخرى، مثل البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وتقول: "في البحر الأحمر، قد يشجع الدعم الإسرائيلي أبوظبي على تعزيز نفوذها في السودان، وتعميق علاقاتها مع أرض الصومال (صوماليلاند) وبونتلاند، ومحاولة استعادة موطئ قدم في جنوب اليمن للسيطرة على الموانئ الرئيسية".

تصدع البيت الخليجي

أحد أخطر مآلات التحالف الإماراتي-الإسرائيلي هو اتساع الهوة مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي ومع الجارة السعودية؛ ففي حين اختارت أبوظبي الرد العسكري المباشر على إيران (بتنسيق إسرائيلي-أمريكي)، فضلت الرياض سياسة الاحتواء والدبلوماسية، وضغطت على واشنطن لمنع تصعيد يضر بأسواق الطاقة.

ويرى الباحث أندرو ليبر، في مقال نُشر بمجلة "فورين أفيرز" أن استراتيجية أبوظبي الجديدة تحمل مخاطر جمة. ويقول: "اختارت الإمارات الانتقام، والاستقلالية الاستراتيجية، والتنسيق العسكري الأعمق مع إسرائيل. لكن هذه الاستراتيجية تخاطر بعزل الإمارات عن بقية الخليج، وتجعلها أكثر اعتماداً على شركاء (غير مرغوبين في المنطقة)، مما يُضيّق خياراتها بدلاً من أن يرفع مكانتها".

هذا العزل ليس نظرياً؛ ففي مطلع مايو 2026، اتخذت الإمارات خطوة زلزلت الأسواق العالمية بإعلان انسحابها من منظمة أوبك (OPEC) بعد 59 عاماً من العضوية. ورغم أن الدوافع الاقتصادية (الرغبة في زيادة الإنتاج لتمويل التحول الأخضر) كانت حاضرة، إلا أن الرسالة الجيوسياسية كانت أوضح: أبوظبي لم تعد مستعدة للخضوع للإجماع الخليجي الذي تقوده الرياض.

ويشير مركز موشيه دايان العبري إلى أن السعودية تشعر بـ"التطويق" من السياسات الإماراتية. ويضيف المركز: "السعودية تنظر إلى إسرائيل والإمارات على أنهما تنسقان سياسات إقليمية تقوض المصالح السعودية. الرياض تخشى من أن الإمارات تصطف مع إسرائيل لتفتيت أو زعزعة استقرار دول مثل سوريا والصومال واليمن".

تنتج الإمارات ما نسبته 4% من إجمالي النفط العالمي وكانت تنتج 11% من إنتاج دول أوبك

"التحالف الإبراهيمي" مقابل "الكتلة الإسلامية"

أفرزت هذه التطورات فرزاً جديداً للمحاور في الشرق الأوسط. فمن جهة، يتبلور ما يُطلق عليه بعض المحللين اسم "التحالف الإبراهيمي" أو "الرباعية الجديدة"، والذي يضم الولايات المتحدة، "إسرائيل"، الإمارات، والهند. هذا المحور يعتمد على التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، والمال واللوجستيات الإماراتية، والحجم الديموغرافي والاقتصادي الهندي، برعاية أمريكية.

في المقابل، تدفع هذه الديناميكية السعودية نحو تقارب أكبر مع قوى إقليمية أخرى لتشكيل ثقل موازن. وقد أشار تقرير مركز موشيه دايان إلى أن الرياض تعزز تعاونها العسكري مع تركيا وباكستان، فيما يُعرف بـ"الكتلة الإسلامية" التي تضم السعودية، تركيا، مصر، وباكستان. ويضيف التقرير: "هذا التحالف يُنظر إليه على أنه موجه جزئياً لردع إسرائيل والسياسات الإماراتية. هذه الكتلة 'الإسلامية' ترى في أفعال 'المحور الإسرائيلي-الإماراتي' زعزعة عميقة للاستقرار".

المعضلة الإيرانية: هل ينجح الردع أم ينفجر الصراع؟

المآل الأكثر خطورة لهذا التحالف يتعلق بكيفية تعاطي طهران معه؛ فإيران تنظر إلى الوجود العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي في الخليج كتهديد أمني مباشر من الدرجة الأولى. وقد هدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي صراحة من أن الدول التي تتعاون مع الكيان الصهيوني "سيتم محاسبتها".

يطرح ديفيد روبرتس، الباحث في كينغز كوليدج لندن، رؤية بديلة ومثيرة للجدل. يجادل روبرتس بأن الاعتماد على القوة العسكرية الإسرائيلية والأمريكية لن يجلب الأمن المستدام للخليج. ويقول: "يجب على دول الخليج أن تتوقف عن انتظار واشنطن لتقديم نتيجة تخدمها، وأن تبدأ في تشكيلها بنفسها... المخرج يتطلب التخلي عن الافتراض الذي حكم أمن الخليج لقرن من الزمان: أن الأمن سلعة تُشترى وليس قدرة تُبنى".

يقترح روبرتس أن تسعى دول الخليج لإبرام معاهدة إقليمية شاملة مع إيران، تتضمن انسحاباً أمريكياً تدريجياً من القواعد الخليجية مقابل تنازلات إيرانية جوهرية بشأن برنامجها النووي والصاروخي ووقف دعم الميليشيات. ورغم أن هذا الطرح يبدو مثالياً، إلا أنه يعكس قناعة متزايدة بين بعض الخبراء بأن التحالف مع "إسرائيل" لن يمنع أي مواجهة قادمة مع إيران، بل على العكس؛ قد يؤدي إلى زيادة التوترات في الخليج وحالة حرب باردة بين أبوظبي وطهران.

ادعت إيران وجود قوات إسرائيلية في ميناء جبل علي بدبي - قصف استهدف الميناء مطلع مارس 2026 (فرانس برس)

القضية الفلسطينية: الضحية الصامتة؟

في خضم هذا التحالف الأمني، تبدو القضية الفلسطينية الخاسر الأكبر. عندما وقّعت أبوظبي اتفاقية التطبيع في 2020، جادلت بأن التطبيع سيمنحها نفوذاً لحماية الحقوق الفلسطينية (مثل وقف خطة الضم). لكن الحرب الإسرائيلية على غزة والعمليات العسكرية المستمرة، أثبتت أن الأولويات الأمنية طغت على أي اعتبارات أخرى.

ورغم أن أبوظبي قد تلعب دوراً في ترتيبات "اليوم التالي" في غزة والضفة الغربية، إلا أن تركيزها سينصب على ضمان عدم عودة حماس، وتشكيل قيادة فلسطينية جديدة تتوافق مع رؤية "التحالف الإبراهيمي" أكثر من سعيها لفرض حل سياسي شامل يدعم القضية الفلسطينية، ويزعج حليفتها الأمنية الجديدة في تل أبيب.

قفزة في المجهول

إن التحالف الاستراتيجي الذي تبلور بين أبوظبي و"إسرائيل" في ربيع وصيف 2026 يمثل قطيعة تامة مع عقود من السياسة الخليجية التقليدية. لقد اختارت أبوظبي أن تربط مصيرها الأمني بآلة التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، مراهنة على أن هذا التحالف سيوفر لها درعاً منيعاً يحمي طموحاتها الاقتصادية العالمية.

لكن هذه الاستقلالية الاستراتيجية تأتي بثمن باهظ: صدع غير مسبوق في جدار مجلس التعاون الخليجي، وتوتر متصاعد مع السعودية، ووضع البلاد في خط المواجهة الأول مع إيران، وتجاهل للغضب الشعبي العربي. لقد غادرت الإمارات منطقة "التحوط الآمن"، لتقود المنطقة نحو نظام إقليمي جديد يخدم الاحتلال الإسرائيلي، لا تزال ملامحه تتشكل وسط الدخان، ومآلاته مفتوحة على كل الاحتمالات.