مع اقتراب انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم، تنشط على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع إلكترونية مختلفة حملات ترويج واسعة لأجهزة فك تشفير القنوات الرياضية وتطبيقات البث غير المرخصة، مستهدفة الجماهير الراغبة في متابعة المباريات بتكلفة منخفضة مقارنة بالاشتراكات الرسمية. إلا أن خبراء في الأمن الرقمي والقانون حذروا من مخاطر هذه الأجهزة والخدمات، مؤكدين أنها لا تقتصر على انتهاك حقوق البث والملكية الفكرية فحسب، بل قد تشكل تهديداً مباشراً لبيانات المستخدمين وأمنهم السيبراني.
وفي تقريرها، نقلت صحيفة "الإمارات اليوم" عن مستهلكين قولهم إن أسعار هذه الأجهزة تتراوح بين 200 و500 درهم بحسب نوع الجهاز وعدد الباقات التي يوفرها وفترة الاشتراك، التي قد تمتد إلى عدة سنوات. ويعزو كثيرون الإقبال عليها إلى ارتفاع رسوم الاشتراكات الرسمية الخاصة بالقنوات المالكة لحقوق بث البطولات الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم، ما يدفع بعض المتابعين للبحث عن بدائل أقل تكلفة.
لكن هذا الإغراء السعري، بحسب مختصين، يخفي وراءه مخاطر متعددة، أبرزها غياب أي ضمانات قانونية أو فنية للمستهلك، فضلاً عن عدم حصول المشترين في كثير من الحالات على فواتير أو وثائق تثبت عملية الشراء، ما يجعلهم عرضة لخسارة أموالهم في حال توقف الخدمة أو تعرضهم لعمليات احتيال.
مخاطر أمنية متزايدة
وحذر خبراء تقنية وأمن رقمي من أن أجهزة فك التشفير التي تباع عبر قنوات غير رسمية قد تكون محملة مسبقاً ببرمجيات خبيثة تتيح للقراصنة الوصول إلى الشبكات المنزلية والأجهزة المتصلة بها. وأوضحوا أن مجرد ربط هذه الأجهزة بشبكة الإنترنت المنزلية قد يفتح الباب أمام اختراق الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والشاشات الذكية المرتبطة بالشبكة نفسها.
وأكد خبير الأمن الرقمي عماد الحفار أن مصدر هذه الأجهزة غالباً ما يكون مجهولاً أو غير موثوق، الأمر الذي يزيد احتمالات احتوائها على برامج تجسس أو أدوات لاختراق الشبكات المنزلية وسرقة البيانات. كما أشار إلى أن هذه الأجهزة لا تمثل خطراً على الأمن الرقمي فحسب، بل تعد أيضاً انتهاكاً لحقوق الملكية الفكرية.
من جانبه، أوضح خبير التقنية جيس كيم أن المخاطر تمتد إلى بيانات الدفع الإلكتروني وكلمات المرور التي قد يُدخلها المستخدم عبر التطبيقات أو الشاشات الذكية المرتبطة بهذه الأجهزة، ما يجعلها عرضة للسرقة والاستغلال من قبل جهات تدير خوادم البث غير المشروع.
أما خبير الأمن الرقمي الدكتور محمد الفقي، فاعتبر أن أجهزة فك التشفير والتطبيقات المرتبطة بها قد تتحول إلى "بوابة" لاختراق كامل الشبكة المنزلية، موضحاً أن البرمجيات الخبيثة المدمجة فيها قادرة على الوصول إلى بيانات البطاقات المصرفية والبريد الإلكتروني والحسابات الشخصية وكلمات المرور، فضلاً عن إمكانية تسريب تلك البيانات وبيعها عبر الإنترنت.
مسؤولية قانونية وعقوبات
وفي الجانب القانوني، شدد المستشار القانوني يوسف الشريف على أن أجهزة فك التشفير والبث غير المشروع تمثل اعتداءً مباشراً على حقوق الملكية الفكرية وحقوق البث الحصرية، لأنها تتيح مشاهدة محتوى مدفوع دون موافقة الجهات المالكة للحقوق.
وأوضح أن البث الرياضي لم يعد يُنظر إليه بوصفه مجرد إشارة تلفزيونية، بل أصبح حقاً استثمارياً وتجارياً تحميه القوانين، مشيراً إلى أن القرصنة تتسبب في أضرار اقتصادية للشركات المالكة للحقوق والرعاة والمعلنين، خصوصاً في البطولات العالمية التي تُشترى حقوق بثها بمبالغ كبيرة.
وأكد الشريف أن العقوبات قد تشمل الغرامات المالية ومصادرة الأجهزة وإغلاق المنشآت المتورطة، وقد تصل في بعض الحالات إلى الحبس، خاصة إذا ارتبطت الممارسات بالترويج التجاري أو تحقيق أرباح مالية. كما قد تمتد المسؤولية إلى المستوردين والموزعين ومقدمي الاشتراكات غير المشروعة.
بدوره، أوضح المستشار القانوني أحمد الكمالي أن القوانين لا تستهدف منع استخدام التقنيات الحديثة أو تقييد التجارة، وإنما تهدف إلى تنظيم السوق وحماية الاستثمارات المرتبطة بحقوق النقل والبث الرياضي. وأضاف أن أي استخدام لأجهزة أو تطبيقات مقرصنة لفك التشفير أو بث المحتوى من دون ترخيص يعد مخالفة قانونية صريحة تستوجب المساءلة.
دعوات للحذر والإبلاغ
وفي السياق ذاته، دعت جمعية الإمارات لحماية المستهلك الجمهور إلى عدم الانسياق وراء الإعلانات والعروض المغرية التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتعد ببث مباريات كأس العالم بأسعار منخفضة، من دون التأكد من قانونية تلك الخدمات أو موثوقية الجهات التي تقف وراءها.
وأكد عضو مجلس إدارة الجمعية وليد جاسم الحوسني أهمية التعامل مع الجهات المرخصة فقط، وعدم مشاركة البيانات الشخصية أو المصرفية قبل التحقق من مصداقية الخدمة، مشيراً إلى أن الأحداث الرياضية الكبرى غالباً ما تستغل من قبل جهات تسعى لتحقيق مكاسب مالية على حساب المستهلكين.
كما لفت الإعلامي علي حميد إلى أن الجهات المختصة في الإمارات نجحت خلال السنوات الماضية في رصد وإيقاف عدد من المواقع والحسابات التي كانت تبث المحتوى الرياضي بصورة غير قانونية، مؤكداً أن مواجهة هذه الظاهرة لا تعتمد على الإجراءات القانونية والرقابية وحدها، بل تتطلب أيضاً رفع مستوى الوعي المجتمعي وتعزيز ثقافة احترام حقوق الملكية الفكرية، بما يسهم في الحد من انتشار القرصنة وحماية المستهلكين من مخاطرها القانونية والتقنية.