في زمنٍ تتسابق فيه الدول لبناء اقتصاد المعرفة وترسيخ حضورها العلمي، يبرز اسم الدكتور أحمد عيد المهيري كواحد من أبرز الوجوه العلمية الإماراتية والعربية التي نجحت في اقتحام أكثر ميادين العلم تعقيداً وغموضاً "الفيزياء النظرية والثقوب السوداء".

ومن داخل أروقة معهد الدراسات المتقدمة بجامعة برينستون الأميركية، المؤسسة العلمية التي ارتبط اسمها بالعالم الشهير ألبرت أينشتاين، يواصل المهيري أبحاثه التي تحظى باهتمام عالمي واسع، بعدما أصبح أحد الأسماء المؤثرة في إعادة تشكيل فهم العلماء لطبيعة الثقوب السوداء وعلاقة الجاذبية بالفيزياء الكمومية.

ويُنظر إلى المهيري اليوم باعتباره نموذجاً إماراتياً استثنائياً في ميادين العلوم الدقيقة، ليس فقط بسبب إنجازاته الأكاديمية، بل لكونه استطاع أن يرسخ حضوراً عربياً في واحدة من أكثر البيئات العلمية تنافسية وتعقيداً على مستوى العالم.

من الإمارات إلى أعرق المعاهد العلمية

وُلد أحمد عيد المهيري عام 1986، وبدأ رحلته العلمية بشغف مبكر تجاه الفيزياء والرياضيات، قبل أن ينتقل إلى كندا حيث حصل عام 2008 على درجة البكالوريوس في علوم الهندسة تخصص الفيزياء من جامعة تورنتو.

لاحقاً، واصل مسيرته الأكاديمية في جامعة كاليفورنيا سانتا باربرا، لينال درجة الماجستير في الرياضيات والعلوم الطبيعية عام 2010، ثم الدكتوراه في الفيزياء عام 2014، متوجاً مسيرته الأكاديمية بجائزة أفضل رسالة دكتوراه على مستوى الجامعة في مجالات الرياضيات والعلوم الطبيعية والهندسة.

لكن المحطة الأبرز في مسيرته جاءت عندما أصبح أول إماراتي يحصل على قبول لدراسات ما بعد الدكتوراه في معهد الدراسات المتقدمة "IAS" التابع لجامعة برينستون، أحد أهم المراكز العالمية المتخصصة في بحوث الفيزياء النظرية، والذي عمل فيه أينشتاين خلال العقدين الأخيرين من حياته.

عالم يفك ألغاز الثقوب السوداء

في قلب الفيزياء الحديثة، برز اسم المهيري ضمن الجيل الجديد من العلماء الذين يعملون على حل واحدة من أعقد المعضلات في تاريخ العلم، وهي "مفارقة ضياع المعلومات داخل الثقوب السوداء".

وأسهم الفيزيائي الإماراتي في تطوير نظريات متقدمة تتعلق بما يعرف بـ"الجدار الكمي" للثقوب السوداء، كما شارك في تقديم تفسيرات جديدة لازدواجية "AdS/CFT"، وهي إحدى أهم النظريات الحديثة التي تربط بين الجاذبية والفيزياء الكمومية.

وخلال السنوات الأخيرة، شارك المهيري في أبحاث وُصفت بالثورية حول "الجزر الكمومية" داخل الثقوب السوداء، وهي نظرية أحدثت تحولاً في فهم كيفية تخزين المعلومات داخل هذه الأجسام الكونية الغامضة، وفتحت الباب أمام آفاق جديدة في مجالات الجاذبية الكمومية والحوسبة الكمومية والتشفير الكمي.

وفي عام 2020، نشر بحثاً علمياً حظي باهتمام واسع في الأوساط الأكاديمية، قدّم فيه مع فريق من العلماء برهاناً رياضياً جديداً لفهم البنية الداخلية للثقوب السوداء، في خطوة اعتبرها كثير من الباحثين لبنة أساسية نحو بناء نظرية موحدة للجاذبية الكمومية.

ولا تقف مساهماته عند العمل الجماعي، إذ نشر المهيري أيضاً أبحاثاً مستقلة جعلت المجتمع العلمي يتعامل معه بوصفه أحد العقول الصاعدة بقوة في الفيزياء النظرية.

جوائز عالمية وحضور دولي

حصد أحمد المهيري خلال مسيرته عدداً من الجوائز العلمية الرفيعة، كان أبرزها فوزه عام 2020 بـ جائزة نيو هوريزون في الفيزياء، وهي جائزة عالمية مرموقة تُعرف إعلامياً باسم "أوسكار العلوم".

وجاء فوزه بالجائزة ضمن فريق بحثي دولي نجح في تحقيق اختراق علمي في فهم المعلومات الكمومية المرتبطة بالثقوب السوداء وإشعاعاتها، إلى جانب علماء من مؤسسات علمية بارزة مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة كاليفورنيا بيركلي.

كما نال "ميدالية فخر الإمارات" عام 2019 ضمن جائزة محمد بن راشد للأداء الحكومي المتميز، تقديراً لإنجازاته العلمية وتمثيله المشرف للإمارات في المحافل الأكاديمية الدولية.

وفي عام 2024، توج مسيرته بحصوله على جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، تقديراً لإسهاماته النوعية في الفيزياء النظرية وأبحاث الثقوب السوداء.

إشادة رسمية وفخر إماراتي

حظيت إنجازات المهيري باهتمام رسمي واسع داخل الإمارات، حيث هنأه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عقب فوزه بجائزة "نيو هوريزون" في سبتمبر 2020، واصفاً إياه بأنه نموذج إماراتي مشرّف في عالم الفيزياء والعلوم المتقدمة.

ويؤكد المهيري في أكثر من مناسبة أن هدفه لا يقتصر على البحث العلمي فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إلهام الأجيال الجديدة وتشجيع الشباب الإماراتي والعربي على دخول مجالات العلوم الدقيقة والبحث العلمي.

كما يشيد بالدعم الذي وفرته دولة الإمارات للطلبة المبتعثين والباحثين، معتبراً أن الاستثمار في المعرفة والعلوم المتقدمة هو الطريق الحقيقي لبناء المستقبل.

"زميل أينشتاين".. حضور إماراتي في قلب المستقبل

اليوم، يُنظر إلى أحمد المهيري باعتباره أحد أبرز الوجوه العلمية العربية في الفيزياء النظرية، وواحداً من العلماء الذين يشاركون فعلياً في صياغة الأسئلة الكبرى المتعلقة بطبيعة الكون والزمن والجاذبية.

وفي الوقت الذي تتجه فيه دول العالم نحو اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، يمثل المهيري صورة مختلفة للعالم العربي؛ صورة الباحث القادر على المنافسة في أكثر المؤسسات العلمية تأثيراً، والحاضر بقوة في النقاشات التي قد تعيد تعريف فهم البشرية للكون خلال العقود المقبلة.

وبينما يواصل العالم الإماراتي أبحاثه في أسرار الثقوب السوداء والجاذبية الكمومية، يبقى اسمه شاهداً على قدرة الكفاءات الإماراتية والعربية على الوصول إلى الصفوف الأولى في ميادين العلم الأكثر تعقيداً وتأثيراً في العالم.