تواجه دولة الإمارات منعطفاً ديموغرافياً حاسماً يتزامن مع إعلان عام 2026 "عاماً للأسرة"، حيث كشفت أحدث البيانات الرسمية عن تراجع خطير في معدلات المواليد بين المواطنين بنسبة تجاوزت 13.5% خلال العقد الأخير.
يتجاوز هذا الهبوط الحاد كونه مجرد تراجع إحصائي؛ إذ توصف القضية ديموغرافياً بأنها "معركة الوجود المستقبلي"؛ فبينما تحلق الدولة في آفاق التكنولوجيا، يسجل المهد الإماراتي تراجعاً صامتاً يهدد بتآكل الكتلة البشرية الوطنية، مما يضع صناع القرار أمام تحدي إعادة صياغة العقد الاجتماعي لضمان البقاء.
فما حجم المشكلة التي يعاني المجتمع الإماراتي منها، وهل نقترب نحو خطر الانقراض "الوجود المستقبلي"؟!
جرس الإنذار: تراجع المواليد في ميزان الإحصاء
كشفت إحصاءات وزارة الصحة ووقاية المجتمع عن حقائق رقمية تستدعي وقفة تحليلية متأنية، حيث انخفض عدد المواليد المواطنين من 34,618 مولوداً في عام 2014 إلى 29,926 مولوداً في عام 2023، مسجلاً تراجعاً بنسبة 13.55%. هذا الانخفاض يأتي في وقت سجل فيه إجمالي المواليد في الدولة (مواطنين ومقيمين) ارتفاعاً بنسبة 5.45%، مما يعمق الفجوة الديموغرافية، ويضع ضغوطاً إضافية على ملف التركيبة السكانية الذي يقول صانع القرار الإماراتي إنه يعد أولوية قصوى لديه.
وعلى مدى العقد الماضي، سجلت معدلات الخصوبة بين المواطنين الإماراتيين تراجعاً ملحوظاً؛ فبعد أن كان المعدل يقترب من 3.7 طفل لكل امرأة في عام 2016، تشير النسب اللاحقة عام 2023 إلى 2.9 طفل. ولم تقدم الحكومة أي تقارير إضافية حول النسبة خلال السنوات اللاحقة حتى إعلان عام 2026 عام الأسرة.

بحسب الجدول تتجلى الأزمة في نمو إجمالي مواليد الدولة بنسبة 5.45% مقابل انكماش مواليد المواطنين بنسبة 13.55%، مما يعني أن "التوطين الديموغرافي" يواجه فشلاً هيكلياً؛ حيث تآكلت حصة المواطنين في سجل المواليد بنسبة كبيرة. وبالنظر إلى ذروة المواليد في عام 2015 (34,794 مولوداً)، فإن الهبوط المستمر يضع ضغوطاً غير مسبوقة على التركيبة السكانية ومستقبل الهوية الوطنية.
معضلة "نقطة الإحلال" والتحذير من "رقم اللاعودة"
يمثل معدل 2.1 طفل لكل امرأة "نقطة الإحلال" الاستراتيجية، وهي الحد الأدنى لضمان بقاء المجتمع وعدم انقراضه تقنياً. وأكد الدكتور مغير الخييلي، رئيس دائرة تنمية المجتمع في أبوظبي، على خطورة الوضع قائلاً: "المجتمعات تتعرض للخطر في حالة الوصول إلى نقطة الإحلال (2.1) (وهو الرقم اللازم لعدم انقراض المجتمع)، والتي تعني أن عدد الوفيات أكبر من المواليد الجدد، ونحن نحتاج لجيل من الشباب يمثل وقود المجتمع".
وبناءً على التحليلات التشخيصية وتصريحات الدكتور مغير الخييلي، فإن المجتمع الإماراتي يدخل منطقة "الهبوط المتسارع"؛ فرغم أن نسبة الخصوبة في الإمارات عند رقم 2.9 (2023) لا يزال – تقنياً – فوق مستوى الإحلال، إلا أن سرعة الانحدار تثير قلق صناع القرار الإستراتيجيين.
وتتبَّع الإمارات 71 "منحنى الهبوط" الرقمي المسجل بين عامي 2021 و2023، والذي يظهر تراجعاً واضحاً في معدل الخصوبة الكلي للمواطنين من 3.2 إلى 2.9 طفل لكل امرأة، وبمتوسط انخفاض سنوي قدره 0.15 درجة؛ هذا الاستقراء الإحصائي يشير إلى أن المعدل المتوقع لعام 2026 سيتراوح على الأرجح بين 2.4 و2.5 طفل لكل امرأة. وبناء على ذلك يُتوقع من الناحية الحسابية البحتة مع افتراض ثبات العوامل الاقتصادية والاجتماعية يمكننا توقع أن نصل نقطة الخطر في عام 2028.
لكن ذلك غير صحيح كشفت تصريحات رسمية في أواخر عام 2025 عن هبوط حاد في معدل الخصوبة حيث وصل إلى 2.3، وهو ما يفوق توقعات الاحصائيين؛ فوفق هذا التسارع، فإن سيناريو الوصول إلى نقطة "اللاعودة" (2.1) لم يعد احتمالاً لعام 2028 كما كان يُتوقع سابقاً، بل أصبح خطراً وشيكاً قد يتحقق في غضون أشهر إذا لم يتم عكس المسار فوراً.
وأشار الخيلي إلى أن العدد المثالي للحفاظ على المجتمع أن يكون عدد أطفال كل أسرة فوق الثلاثة وذلك لاستمرارية مجتمعنا واقتصادنا وحماية لمكتسباتنا، حيث يدعم هذا العدد استمرار النمو، وكلما زاد عدد الأطفال كان ذلك أفضل.

ارتباط البقاء: كيف أصبح الأمن القومي الإماراتي مهدداً؟
انكماش القاعدة الشبابية لا يهدد الهوية الوطنية فحسب، بل يضرب المحركات الاقتصادية للدولة، فالمجتمع الذي اعتاد على قاعدة شبابية عريضة بدأ يلحظ اتساعاً تدريجياً في قمة الهرم السكاني (كبار السن) وتقلصاً نسبياً في قاعدته (الشباب)؛ فزيادة عدد كبار السن (بمعدل 4000 شخص سنوياً في أبوظبي وحدها) مقابل تناقص المواليد يؤدي إلى "شيخوخة المجتمع". هذا الاختلال يفرغ الدولة من شبابها الذين يمثلون "المحرك الاقتصادي"؛ مما يهدد بضياع المكتسبات الوطنية نتيجة غياب الجيل القادر على إدارة الإنتاج وحماية السيادة.
وقال الخييلي في "بودكاست 100 موجه": إذا زاد عدد كبار السن وقل عدد الأطفال زاد متوسط الأعمار، وكلما كبر الأشخاص يكونون في حاجة إلى خدمات وعناية وطريقة تعامل مختلفة، وفي الوقت نفسه نحتاج جيلاً من الشباب الذي يمثل وقود المجتمع؛ لذا نحن في حاجة إلى زيادة أعداد المواليد.
وقالت سناء بنت محمد سهيل، وزيرة الأسرة إن "ملف الخصوبة والصحة الإنجابية ليس مجرد شأن صحي، بل هو أولوية وطنية تتطلب مراجعة أكثر من 60 سياسة قائمة لضمان التوازن بين المهام المهنية والمسؤوليات الأسرية". مؤكدةً أن إنشاء مركز اتحادي للإخصاب بات ضرورة ملحة لدعم الأسر تقنياً ومادياً.
وأضاف الخييلي: "عدد المواطنين في الأساس قليل يقابله اتساع وكبر المجتمع من جنسيات متعددة لذا نحرص على استمرار النمو السكاني للمواطنين للوصول للعدد الكافي؛ الموضوع يرتبط بالبقاء؛ ولابد أن يعي الناس أهمية هذا الأمر، ومسؤوليتهم تجاه دولتهم وحكومتهم، والأجيال القادمة أيضاً، ولابد أن يعرفوا مدى التحدي ولماذا تقوم الحكومة بالكثير من المبادرات وإطلاق الاستراتيجيات لتشجيع الزواج والإنجاب وتكوين أسر مستقرة".
سوسيولوجيا التراجع.. لماذا يبتعد الشباب عن الإنجاب؟
لم تعد العوامل المادية وحدها هي العائق؛ بل تداخلت معها تحولات هيكلية في بنية المجتمع. وتشير التقارير البرلمانية إلى تحديات جوهرية حيث تداخلت أنماط الحياة الحديثة مع العوائق البيولوجية لتقليص فرص النمو الأسري.
أبرز هذه التحديات ارتفاع متوسط العمر عند الزواج؛ حيث ارتفع لدى الذكور المواطنين من 30 عاماً وستة أشهر في 2018 إلى 32 عاماً وسبعة أشهر في 2022، ولدى الإناث من 26 عاماً إلى نحو 29 عاماً. هذا التأخر البيولوجي والاجتماعي أدى بالضرورة إلى انخفاض معدل الخصوبة الكلي للمواطنين من 3.2 أطفال لكل امرأة في 2021 إلى 2.3 في 2025 وهو مؤشر يهدد قدرة المجتمع على تجديد نفسه ذاتياً.
وتتأثر الصحة الإنجابية للمرأة الإماراتية سلباً بعوائق بيولوجية ونمط حياة غير صحي، حيث تبرز معدلات السمنة (27%) ونقص النشاط البدني (70%) كعقبات رئيسية، يضاف إليها هوس الرشاقة وعمليات التخسيس المفرطة التي أثرت بشكل مباشر على الخصوبة الفسيولوجية نتيجة المعايير الجمالية القاسية.
من جانب آخر، تعيق التحولات القيمية والنزعة الفردانية التوسع الأسري، إذ يتم تقديم الرفاه الشخصي والمسار المهني على الالتزام العائلي، حيث يفضل معظم الشباب إنجاب طفلين والاهتمام بتعليمهم وصحتهم وتربيتهم على الإنجاب المتعدد. يأتي ذلك تزامناً مع غياب المرونة الوظيفية في القطاع الحكومي (الذي يضم 78% من المواطنين)؛ مما يصعّب الموازنة بين العمل والمنزل، ويدفع الأمهات نحو "العزوف الاختياري" عن الإنجاب المتعدد.
أما التحديات المجتمعية، فقد شملت المغالاة في المهور وتكاليف الزواج الباهظة حيث أشار تقرير رسمي إلى ارتفاع تكاليف الزواج كل عام بين 10 إلى 20%، ونشوء "نزعة فردانية" تعلي من شأن الرفاه الشخصي على حساب الالتزام الأسري.
فما الحلول؟
إن الحل يتطلب صياغة عقد اجتماعي جديد يضع النمو الديموغرافي كمسؤولية وطنية أولى. وتشير أبرز التوصيات – سواء في تقارير المجلس الوطني الاتحادي أو الخبراء – إلى مرونة وظيفية مستدامة، بحيث يتم مأسسة المرونة الوظيفية للأمهات المواطنات عبر توفير خيارات العمل عن بُعد، وتمديد إجازة الأمومة إلى 98 يوماً براتب كامل؛ مما يضمن الاستقرار النفسي والصحي للأسرة. وضرورة تمكين الأم وظيفياً من خلال مراجعة القوانين والسياسات لضمان توازن مهامها المهنية مع مسؤولياتها الأسرية دون المساس بمسارها الوظيفي.
وفي الجانب الاقتصادي، شدد مواطنون على ضرورة رفع علاوة الأبناء إلى 2000 درهم لمواكبة تضخم تكاليف المعيشة وتخفيف الضغوط المالية التي تواجهها الأسر الكبيرة. وتتكامل هذه الحوافز مع مقترحات لربط قيمة القروض السكنية ومدة سدادها بعدد الأبناء، بما يشمل إمكانية إسقاط أجزاء من القرض مع كل مولود جديد كأداة لتحفيز النمو الديموغرافي المستدام.
أما التدخلات الصحية والقيمية، فقد ناقشتها لجنة الشؤون الصحية بالمجلس، وأوصت بضع تشريعات تدعم الحياة الأسرية، وإعادة النظر بساعات العمل الطويلة، وتكثيف التثقيف الصحي، وإجراء الفحص الجيني قبل الزواج، وتقديم الدعم للأسرة، ودعم الزواج المبكر، وضرورة الادخار في السنوات الأولى من الزواج، وإحياء ثقافة الأسرة الممتدة والتمسك بالقيم الاجتماعية.
كما يتطلب أن يرافق ذلك جهد مجتمعي لإعادة صياغة السردية الوطنية عبر تشجيع الزواج المبكر، وتوسيع نطاق الأعراس الجماعية، مع مواجهة النزعة الفردانية لغرس قيم "الأسرة الكبيرة" كركيزة أساسية للسيادة الوطنية وفخر الأجيال، وكواجب ديني، على الرغم من أن الحكومة تمنع الخطاب المعتدل الذي ظل طوال العقود السابقة يحفز على زيادة النسل.
إن تراجع المواليد ليس مجرد "أزمة إحصائية"، بل هو تهديد لبقاء الدولة بصيغتها الوطنية الأصيلة، لذلك فإن عام الأسرة 2026 و"الأجندة الوطنية لنمو الأسرة 2031" تمثل الفرصة الأخيرة لتصحيح المسار قبل البدء الرسمي في حساب العد التنازلي لبقاء الصيغة الوطنية الحالية، والتي عرفناها في العقدين الأخيرين رغم تشوهاتها بسبب التركيبة السكانية، إلا أن الاضمحلال سيكون سمة العقد القادم. إن "البقاء" هو الغاية الأسمى التي يجب أن تتلاشى أمامها كافة العقبات البيروقراطية، لضمان استمرار الإمارات كدولة شابة وقوية بهويتها وأبنائها.