لم تبدأ القصة بقرار قضائي معلن، ولا بحملة اعتقالات جماعية، بل برسائل صامتة وصلت إلى هواتف المستخدمين، فعند محاولة فتح بعض الحسابات على منصة "إكس" من داخل الإمارات، ظهرت العبارة نفسها: "هذا الحساب محجوب في هذا البلد استجابة لمتطلبات قانونية". وفيما بدا في الوهلة الأولى إجراءً تقنياً محدوداً، كشف التدقيق في مسار الأحداث عن مرحلة جديدة في إدارة المجال العام، حيث تحولت الحرب من حدث أمني إلى فرصة مناسبة لإعادة صياغة ما يمكن رؤيته أو تداوله رقمياً.

كيف تحركت السلطات الإماراتية من التحذير من الشائعات إلى حجب حسابات صحفية وإعلامية على "إكس"، ضمن حملة أوسع أعادت تعريف التغطية البصرية والكلام العام بوصفهما شأناً أمنياً لا حقاً عاماً؟. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: هل حجبت الإمارات حسابات على "إكس"؟ بل: كيف تحوّلت الحرب إلى ذريعة لتوسيع الرقابة الرقمية، ومنع الجمهور من رؤية الحرب كما هي، لا كما تريد السلطة أن تُرى؟

من منصات عالمية إلى أدوات

شهد الثاني من مارس 2026 تحولاً جذرياً في تعامل الادعاء العام الإماراتي مع الفضاء الرقمي، حيث صدر قرار رسمي بحجب عدة حسابات على منصة "إكس" داخل الدولة. ولم تكن هذه الحسابات مجهولة المصدر، بل شملت أسماءً ذات ثقل إعلامي وحضور واسع، تصدرتها حسابات مرتبطة بقناة "العربية"، والصحفي السعودي مالك الروقي، والإعلامي الجزائري أحمد حفصي، وفق ما وثقته لجنة حماية الصحفيين (CPJ). هذا الإجراء لم يستهدف إغلاق المنصة بالكامل، بل اعتمد آلية "الحجب الجغرافي" التي تبقي المحتوى متاحاً للعالم وتخفيه عن الجمهور المحلي، مما يقلل الكلفة الدولية للإجراء مع تحقيق أقصى ضبط للمجال العام الداخلي.

كما استهدفت الحملة رافضين للتطبيع الإماراتي مع الاحتلال الإسرائيلي، بينهم معارضون بارزون مثل حمد الشامسي الناشط الحقوقي والمعارض الإماراتي الموجود في الخارج، وصاحب حساب عبدالله الطويل، بعد منشورات تدين التطبيع وتلفت النظر إلى ارتفاع كلفة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي وسط استمرار الحرب مع إيران التي تهاجم المنشآت المدنية في الدولة منذ 28 فبراير.

وتشير منظمة "مراسلون بلا حدود" إلى أن هذا الحجب اقترن بإخطارات رسمية تلقاها المستخدمون والصحفيون من إدارة منصة "إكس"، تفيد بامتثال الشركة لطلبات قانونية صادرة عن مكتب النيابة العامة. وامتد نطاق الحجب ليشمل منصات أخبار وتحقق من الأخبار، وصحفيين بارزين، وشخصيات عامة، ما يعكس الرغبة في إخضاع "خوارزميات الامتثال" لدى الشركات العابرة للحدود لتصبح أداة تنفيذ للسياسات الأمنية الإماراتية، مما يضع حدود النقاش العام تحت سيطرة مباشرة للسلطات.

هذا التفصيل مهم مهنياً؛ فالقضية لا تتعلق بالمبالغة، بل بالدقة؛ وهو ما يعني أن الحجب لم يقتصر على حسابات مجهولة أو هامشية، بل طال حسابات إعلامية وصحفية معروفة، بعضها يملك جمهوراً عربياً واسعاً، وبعضها يؤدي دوراً في نقل الخبر أو التعليق السياسي أو التحقق من المعلومات.

حسابات وجهت النيابة العامة بحظرها في الإمارات - 2 مارس 2026

سطوة داخلية

في النظم التقليدية للرقابة، كان الحجب يعني إغلاق موقع كامل أو مصادرة صحيفة أو منع برنامج من البث. أما في هذه الحالة، فإن ما حدث أكثر تعقيداً وأشد خطورة: حجب انتقائي داخل المنصة نفسها؛ فالحساب يبقى ظاهراً خارج الإمارات، لكنه يختفي أو يصبح غير قابل للوصول داخلها، وهذا النوع من الحجب لا يثير دائماً الضجيج نفسه الذي يرافق الإغلاق الشامل، لكنه أشد فاعلية في ضبط المجال العام؛ لأنه يسمح للسلطة بإسكات أصوات بعينها محلياً من دون أن تدفع كلفة دولية عالية.

وتنسجم هذه الآلية مع ما تظهره صفحة الشفافية الخاصة بمنصة "إكس"، التي تخصص للإمارات صفحة منفصلة لطلبات الإزالة القانونية والحجب المرتبطة بالدولة، وهذا يكفي لتأكيد نقطة جوهرية: الإمارات ليست خارج منظومة الطلبات القانونية الموجهة إلى المنصات، بل جزء فاعل منها. ويعطي تفسيراً لوضع الشركات العابرة للحدود والتي لديها مراكز إقليمية في الإمارات، وكيف تخضع لضغط الأجهزة الأمنية، لتتحول المنصة من فضاء يفترض أنه يوسع النقاش العام، إلى أداة تنفيذ ناعمة للمنع المحلي.

كما أن هذه الحملة أوسع بكثير من مجرد مكافحة التضليل؛ فمراسلون بلا حدود قالت إن الإمارات كانت قد شددت، حتى قبل الحرب، مراقبة منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وتحدثت عن آليات تشجع الناس على الإبلاغ عن المحتوى الذي يُصنَّف باعتباره "مشبوهاً". أما مؤسسة الحدود الإلكترونية EFF فاعتبرت أن الحرب أعادت ترسيخ البنية الرقابية، وحولت الخوف الأمني إلى فرصة لتضييق التغطية المستقلة ورفع مكانة الرواية الرسمية على حساب أي رواية أخرى.

وقالت الحدود الالكترونية: "تؤدي هذه الإجراءات إلى إضعاف التغطية المستقلة، وتعزيز الروايات الرسمية، كما تزيد من صعوبة حصول الجمهور على سرد دقيق للأحداث على أرض الواقع". تختصر هذه العبارة جوهر ما جرى؛ فالمشكلة ليست أن الدولة أرادت فقط ضبط الشائعات، بل عملت، في الوقت ذاته، على احتكار تعريف الحقيقة المقبولة.

من التوثيق البصري إلى قفص الاتهام

في السادس من مارس 2026، وجّه النائب العام حمد سيف الشامسي تحذيراً شديد اللهجة عبر وسائل الإعلام الرسمية، جرَّم فيه تصوير أو تداول مقاطع الفيديو التي توثق مواقع سقوط المقذوفات أو آثار الأضرار الناتجة عنها، مبرراً ذلك بحماية المجتمع من "الذعر" والحفاظ على "السلم العام". غير أن نص التحذير يكشف أن المنع لم يقتصر على الأخبار المفبركة، بل امتد إلى التوثيق البصري نفسه؛ إذ أصبحت الصورة الحقيقية، إذا خرجت عن الرواية الرسمية، موضع اشتباه، وقد تُعامل كتهديد للأمن أو لثقة المجتمع.

وهنا تبدأ المفارقة الأساسية: حين تصبح الأجهزة الأمنية الجهة الوحيدة التي تحدد ما إذا كانت الصورة حقيقة أم ذعراً، خبراً أم جريمة، شهادةً أم تهديداً.

ولم يظل الأمر في حدود التحذيرات، بل تُرجم سريعاً إلى إجراءات عملية؛ إذ أُحيل 35 شخصاً إلى محاكمات معجلة بتهم نشر مقاطع وُصفت بالمضللة أو توثيق اعتراضات الصواريخ وآثار المقذوفات. ووفق ما نشرته صحيفة "The National" الإماراتية الناطقة بالإنجليزية، شملت الاتهامات مواد مفبركة وأخرى حقيقية اعتُبرت مُمجِّدة لـ"دولة معادية"، ما يعكس تعامل السلطات مع المحتوى الرقمي كملف أمني شامل. هذا التصعيد يرسل رسالة واضحة: النشر خارج القنوات الرسمية قد يفضي إلى السجن أو إلى تهم جسيمة بموجب قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية.

ثم جاءت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في 1 أبريل 2026 لتضع هذه الإجراءات في إطار أوسع، إذ قالت إن الحرب الإيرانية خلقت فضاءً للقمع في الشرق الأوسط.

هذا التسلسل يوضح أن القضية لا تتعلق بتنظيم المحتوى بقدر ما ترتبط بإعادة تعريفه أمنياً؛ فالحسابات تُحجب، والمستخدمون يُحذَّرون، والمصورون يُوقَفون. والرسالة الضمنية ليست معاقبة الخطأ فحسب، بل ردع النشر ذاته إذا خرج عن السردية الرسمية. وتتجاوز خطورة ذلك حدود المنصات، خاصة منصة إكس (الأكثر انتشاراً في الإمارات)؛ إذ إن إدراج أسماء صحفيين وحقوقيين معروفين يعني أن الفاعلين الإعلاميين يُعامَلون كمصادر تهديد إذا لم تتطابق موادهم مع الرواية الرسمية.

في هذا المناخ، لا يقتصر الأثر على من طالتهم الإجراءات، بل يمتد ليخلق رقابة ذاتية واسعة؛ حيث يدرك الأفراد أن توثيق حدث عام قد يحولهم من شهود إلى متهمين، وأن نشر مادة موثوقة قد يُساءل لا بسبب زيفها، بل بسبب صحتها.

ما الذي خسره الجمهور؟

الخسارة الأولى حق المعرفة؛ فحين يُمنع الناس من رؤية آثار الحرب أو تداولها أو مناقشتها بحرية، يصبحون أكثر اعتماداً على البيانات الرسمية، وأقل قدرة على اختبارها أو مقارنتها أو مساءلتها. والخسارة الثانية كانت تقويض رصد جرائم العدوان الإيراني، لأن البيئة التي يُحجب فيها الحساب، ويُجرَّم فيها التصوير، وتُسرَّع فيها المحاكمة، هي بيئة تطرد نقل الحقائق والتي تقوم بها وسائل الإعلام من خلال وظيفتها الأساسية: الإخبار والتحقق والمساءلة.

أما الخسارة الثالثة فهي الأعمق: تطبيع الخوف الرقمي؛ أي أن يتشكل وعي عام جديد يعتبر النشر مخاطرة، والتصوير شبهة، والتعليق السياسي احتمالاً للعقوبة. وعند هذه النقطة، لا تعود الرقابة مجرد إجراء طارئ مرتبط بالحرب، بل تتحول إلى بنية حكم تتسع مع كل أزمة وتبقى بعدها.